محمد بن الطيب الباقلاني
203
الإنتصار للقرآن
اللّه صلّى اللّه عليه غزوة تبوك ، قال : فبرز رسول اللّه صلّى اللّه عليه قبل الغائط ، فحمل معه إداوة قبل الفجر ، فلما رجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه أخذت أهريق على يده من الإدواة ، وهو يغسل يديه ثلاث مرّات ، ثمّ غسل وجهه ، ثم ذهب يحسر جبّته عن ذراعيه ، فضاق كمام جبّته ، فأدخل يده في الجبّة حتى أخرج ذراعيه من أسفل الجبّة ، وغسل ذراعيه إلى المرفق ، ثم توضّأ ومسح على خفّيه ، ثم أقبل ، قال المغيرة : ثم أقبلت معه حتى نجد الناس قدّموا عبد الرحمن بن عوف قد صلّى بهم ، فأدرك النبيّ صلّى اللّه عليه إحدى الركعتين وصلّى معه الناس الركعة الآخرة ، فلما سلّم قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه فأتمّ صلاته ، فلما قضى صلاته أقبل على الناس يعلّمهم ، ثم قال : « أحسنتم » ، يغبطهم أن صلّوا الصلاة لوقتها ، قال المغيرة : وفي رواية أخرى : فأردت تأخير عبد الرحمن فقال النبي صلّى اللّه عليه : « دعه » ، ولولا أنّ عبد الرحمن كان أقرأ أهل تلك الغزاة وأشهرهم بذلك أو كان كأقرئهم وأكثرهم قرآنا لم يقدّموه ويعدلوه عمّن هو أقرأ منه وأحقّ بالتقديم ، ولولا علم الرسول صلى اللّه عليه بذلك لم يقرهم على ذلك ، ولم يخلّهم من التنبيه والتصريح على وجوب تقدمة غيره وأنّهم قد عدلوا عن الواجب أو الأفضل وهو يقول : « يؤمّ القوم أقرؤهم لكتاب اللّه » و « أئمتكم شفعاؤكم » و « أئمتكم خياركم » . وفي تركه لهم وقوله : « أحسنتم » أوضح دليل على فضل عبد الرحمن ، وأنّه كان يومئذ من حملة القرآن ، وأهلا للإمامة والتقدّم بالناس ، فإذا كان ذلك كذلك زالت هذه الشّبهة ، ووجب صحة ما قلناه من موجب العادة والأخبار المتظاهرة التي قدّمنا ذكرها في حفظ أفاضل الصحابة والأماثل منهم / لجميع كتاب اللّه تعالى قبل موت الرسول صلى اللّه عليه ، [ 110 ] وأنّ الأخبار المروية في نقيض ذلك محمولة على ما ذكرناه وبيّنّاه من قبل .